محمد بن جعفر الكتاني
180
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
ولا زال ضريحه مشهورا إلى الآن ، متبركا به . ترجمه الشيخ أبو زيد الفاسي في " أزهار البستان " ، وكذا ترجمه في " الصفوة " ، و " النشر " ، و " التقاط الدرر " . . . وغيرها . [ 98 - شيخ الجماعة سيدي محمد بن محمد ميارة ( الأصغر ) ] ( ت : 1144 ) ومنهم : حفيده الإمام الكبير ، العالم العلامة الشهير ، القدوة المحقق الظهير ، إمام عصره وزمانه ، وشيخ الجماعة في وقته وأوانه ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد ( فتحا ) بن محمد - وقيل : أحمد - بن العلامة سيدي محمد بن أحمد ميارة الفاسي الدار ، والمنشأ والقرار ، المعروف بميارة الأصغر . كان - رحمه اللّه - أحد الفقهاء ، وواحد الوجهاء ، من أكابر علماء فاس ، ومن المرجوع إليهم في مهمات الناس ، له تحقيق في العلوم العقلية ، ودراية تامة في العلوم النقلية ، محدثا نوازليا ، مشاركا حجة ، ضابطا ثقة ، إليه المرجع في فتاوي فاس وحوادثها ، موثوقا به في ذلك . وكان القضاة يعتمدون عليه في أحكامهم ، ويرجعون إليه فيما لم يظهر لهم وجهه من نوازلهم ، وكان له سمت حسن ، وذكاء وفطنة تامة ، مهابا محببا للخاصة والعامة ، يصدع بالحق ولا يبالي ، مقبولا عند الملوك وغيرهم . أخذ عن أبي محمد سيدي عبد القادر الفاسي ، واعتمد على ولده سيدي محمد ، وعلى الشيخ سيدي أحمد ابن الحاج ، وعلى سيدي العربي بردلة ، ولازمهم إلى موتهم ، وكان ملازما لدار بالدرب الطويل ، لا يخرج إلا في أوقات الصلاة ولقراءة العلم بمسجد عياض من حومة الصاغة ؛ وكان إماما به . ومما يدل على عظيم محبته في النبي صلّى اللّه عليه وسلم وآله ؛ أنه خرج مرة من داره قبل الفجر لصلاة الصبح بالمسجد المذكور ، فلقيه لص وضربه بزرواطة « 1 » على أذنه بباب درب رياض جحا ، حتى سقط إلى الأرض مغشيا عليه ، وسلبه ثيابه وتركه بالطريق حتى وجده من وجده على تلك الحالة ، وحمله إلى داره ، ثم إنه من الغد عثر على اللص المذكور بوادي الزيتون وهو يغسل أثياب الشيخ من الدم ، فعرف وقبض وجيء به لعامل [ 167 ] البلد ؛ فسجنه ، وجاء إلى الشيخ يستشيره : ما ذا يصنع به ؟ فسأل عنه ؛ فقيل : إنه ينتسب للشرف . فأحضر العدول وأشهد على نفسه أنه : سامحه لأجل نسبته إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وأمر الحاكم بإطلاقه في الحال . فأطلقه وبرئ الشيخ من تلك الضربة ثقيل الأذن ، ثم بعد وفاته بمدة قبض اللص المذكور هو وأصحابه عند قطعهم الطريق على أناس وذبحوا جميعا عند سقاية باب المحروق ، أعاذنا اللّه من ذلك .
--> ( 1 ) الزرواطة : أداة للضرب . كالعصا اللينة .